تسجيل الدخول

السلطان قابوس تعامل مع «المرأة العُمانية» كجناح الـطائـر يصنع الفارق فى النهضة الحديثة

حمادة عبد الملك14 فبراير 2020آخر تحديث : منذ أسبوعين
السلطان قابوس تعامل مع «المرأة العُمانية» كجناح الـطائـر يصنع الفارق فى النهضة الحديثة

أولى المغفور له السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، المرأة مكانة كبيرة فى سلطنة عُمان.. وتحتاج قراءة مكانة المرأة فى فكر السلطان الراحل إلى قراءة تاريخية لتلك المكانة فى سياق المجتمع العمانى خلال قرون طويلة.. وهى قراءة غنية بالتفاصيل والشواهد التى يمكن أن تغير نظرة العالم أجمع لمكانة المرأة فى العالم العربى بما فيها من استثناءات، لأن تلك الاستثناءات عندما نجدها فى مجتمع يعد من أكثر المجتمعات العربية محافظة على العادات والتقاليد والأعراف الراسخة يكون وقعها أكبر وتدل على وعى مجتمعى وسياسى يستحق التقدير.

السياق التاريخى

حضور المرأة فى السياق التاريخى، يفسر اهتمام السلطان الراحل بها فى بناء الدولة المدنية الحديثة، باعتبار مكانتها امتداداً تاريخياً، وليست مكانة فرضتها ظروف آنية واتفاقات أممية.. لكن لا شك أن المرحلة التاريخية التى سبقت انطلاق الدولة الحديثة فى سلطنة عُمان عكست ظلالها على واقع المجتمع بجناحيه، وكان جناح المرأة الأكثر تضرراً، وكان لا بد من استعادة دور الجناحين ليستطيع المجتمع التحليق بالدولة عالياً بشكل متوازن، فالتاريخ العمانى يكشف عن مكانة للمرأة تعادل مكان الرجل، فأقدم ملك تحفظه كتب التاريخ لعُمان كان امرأة هى الملكة شمساء التى ذكرها عبدالله الطائى فى كتابه تاريخ عُمان السياسى، وكانت المرأة فى سياق التاريخ العمانى فقيهة وعالمة ومفتية ومرجعاً لحل الخلافات السياسية إبان التوترات، بل إنها كانت وصية على الحكم كما كان الحال مع السيدة موزة ابنة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدى.

وكان فكر المغفور له السلطان قابوس، طيب الله ثراه، واعياً لكل تلك التفاصيل التاريخية التى راكمها المجتمع العمانى، ولذلك أكد عليها منذ خطاباته الأولى واهتمامه العملى الذى لم يفرق بين الرجل والمرأة.

ولأن أهم ما يتميز به فكر السلطان الراحل السياسى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى، يكمن فى فهمه العميق للتاريخ وقراءته الدقيقة له فى سياق تحولات الإنسان وتطوره، فقد كان تعامله مع المرأة منذ الأيام الأولى

للنهضة الحديثة تعامل جناح فى جسد طائر، فقد قال: «الوطن فى مسيرته المباركة، يحتاج إلى كل من الرجل والمرأة فهو بلا ريب، كالطائر الذى يعتمد على جناحيه فى التحليق إلى آفاق السماوات، فكيف تكون حاله إذا كان أحد هذين الجناحين مهيضاً منكسراً؟، هل يقوى على هذا التحليق».. وفى هذا التشبيه بلاغة كبيرة تعكس فهم مكانة المرأة، فليست هى النصف الثانى، هى جناح، وعند الحديث عن الأجنحة لا يمكن أن تعطى أحد الجناحين أهمية أقل من الجناح الآخر.. وبهذا المعنى حضرت المرأة فى المشهد العمانى منذ اليوم الأول، فعندما فتحت المدارس تحت ظلال الأشجار كانت للجميع دون استثناء، بل إن التركيز كان على المرأة أكثر من غيرها إيماناً بأنها صانعة ماهرة للمجتمع، وأن تغيير وعى الأجيال مرهون بما تزرعه هى فيهم من وعى مختلف.. وحضرت المرأة فى كل الميادين وساهمت وفق طاقاتها وإمكانياتها، فى بناء المجتمع العمانى، ولأن الأمر كان ضمن ثقافة المجتمع العمانى، لم يشكل ذلك صدمة مجتمعية تستحق الوقوف عندها رغم تحفظات بسيطة سرعان ما تلاشت واندمجت فى عمق فكر أغلبية المجتمع وقناعاته.

دور المرأة

كان إيمان السلطان الراحل واضحاً بأهمية أن تأخذ المرأة دورها فى المجتمع، وأن يتم الدفع بذلك من قبل الحكومة، للبعد عن جانب الشعارات التى تحلق بعيداً عن الحقيقية، لذلك عندما ننظر اليوم لمشهد النهضة التى قادها السلطان الراحل نستطيع أن نقف على منجزات كبيرة حققتها المرأة، وعلى جميع المستويات، بدءاً من الجانب السياسى وليس انتهاء بأبسط التفاصيل فى الحياة اليومية، خاصة أن الحياة الحديثة تجعل المرأة تنخرط فى مجالات لم يعهدها المجتمع.

ولم يكن الأمر عادياً ومتقبلاً أن تظهر المرأة على شاشة التلفزيون مطلع سبعينات القرن الماضى، أو تظهر وهى تقدم أدواراً درامية أو فى أى موقع من مواقع الإعلام، ولا أن تظهر فى الثمانينات وهى ضمن فرقة الأوركسترا السمفونية السلطانية العمانية، إلا أن ظهورها فى ذلك التوقيت حمل رسالة مفادها أن النهضة الحديثة لا تفرق بين الرجل والمرأة فى القيام بأدوار البناء والتعمير، وإن مثل هذه المشاركات تعطى عُمان بعداً تقدمياً ينظر إليه العالم بعين الإعجاب والتقدير.

وزيرات الحكومة

تلك المرحلة التأسيسية وذلك الفكر الذى وُفرت له حماية بالقوانين، هو الذى أوصل السلطنة اليوم إلى أن تكون المرأة العمانية وزيرة لأهم الوزارات فى الحكومة، كوزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالى، وأيضاً وزارة شئون الفنون ووزارة التقنية، وقبل ذلك وزارة التنمية الاجتماعية.. كما أنها سفيرة فى عدد من سفارات السلطنة فى دول العالم، وهى عضوة منتخبة فى مجلس الشورى، وعضوة معينة فى مجلس الدولة، وتدير مؤسسات حكومية أخرى ومؤسسات مجتمع مدنى، وهى ضابطة تقود طوابير عسكرية، وأكاديمية تعتلى المنابر وتدير دفة القيادة وتصنع وعياً فى الجامعات.. وليس هذا فحسب، بل دعم فكر السلطان الراحل المرأة العاملة فى الحقل، والعاملة فى الصناعات الحرفية والمرأة فى البيت التى تدير مصانع الرجال وترعى القيم والأخلاق.. فباختصار المرأة كانت وما تزال حاضرة فى كل تفاصيل مشهد الحياة العُمانية، وهذا إفراز مجتمعى قبل أن يكون تطبيقاً لقوانين وتشريعات الدولة التى لم تفرق بين الرجل والمرأة إلا بمقدار ما تفرضه الطبيعة الجسمانية لكل منهما.

ولم تنل المرأة هذه المكانة فى السلطنة انتزاعاً بل أخذتها وفق معطيات المجتمع العمانى، ووفق فكر السلطان الراحل التقدمى، ولذلك كتبت الكثير من النساء فى عُمان إن الحقوق التى نالتها المرأة جاءت متقدمة وسابقة على بدء التفكير فى نيلها وفق سياق التطور المجتمعى فى منطقة الخليج أو حتى المنطقة العربية.

وبذلك استطاع فكر السلطان الراحل أن يحول المجتمع العمانى إلى داعم للمرأة العمانية بل دافع لها لاستمرار التحليق فهى الجناح الأول لطيران التنمية عالياً.. وإذا تتبعنا القوانين الصادرة فى عُمان سنجد أن النظام الأساسى للدولة ينص على المساواة بين الرجل والمرأة فى كل شيء، ومن النظام الأساسى انطلقت القوانين الأخرى لتعطى المرأة حقوقها بمساواة مع الرجل، ولا تخاطب القوانين الصادرة فى السلطنة المرأة بشكل منفرد بل تخاطبها باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق مثلها مثل الرجل تماماً.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة